من إجهاض حكومة 1956 إلى مهزلة صراع المقاعد .
لم تكن التجربة الديمقراطية في الأردن طارئة أو مستوردة، بل وُلدت مبكرًا، ونضجت سريعًا، ثم أُجهضت قبل أن تشتد عودها. مرت على الدولة لحظتان تاريخيتان كان يمكن أن تؤسسا لنظام برلماني حقيقي قائم على حكومات أغلبية حزبية، لكننا أضعناهما تباعًا، وها نحن اليوم ندفع ثمن التردد والارتباك وغياب الإرادة السياسية المتراكمة.
في انتخابات عام 1956، شهد الأردن واحدة من أكثر المحطات إشراقًا في تاريخه السياسي. أفرزت الانتخابات مجلسًا نيابيًا حقيقي التمثيل، وعكست حضورًا حزبيًا واضحًا، لا سيما للحزب الوطني الاشتراكي. وكان عبد الحليم النمر من أبرز الفائزين، إذ حصل على أعلى عدد من الأصوات، حتى كُلّف بتشكيل الحكومة.
لكن ما حدث بعد ذلك يكشف الفارق الهائل بين ثقافة الأمس وممارسات اليوم. فقد رفض النمر تشكيل الحكومة، احترامًا لأمين عام الحزب سليمان النابلسي، وتقديرًا لموقعه القيادي، مقدمًا مصلحة الحزب ووحدته على طموحه الشخصي. لم يكن المقعد يومها غاية، ولا المنصب هدفًا بذاته، بل كانت الفكرة الحزبية والمؤسسية هي الأساس. تولى النابلسي رئاسة أول حكومة برلمانية في تاريخ المملكة، في تجربة كان يمكن أن تؤسس لتقليد ديمقراطي عربي مبكر ومستقر.
غير أن تلك التجربة لم تُمنح الوقت لتترسخ. أُجهضت سريعًا بفعل تعقيدات إقليمية وضغوط داخلية، ودخلت البلاد مرحلة تراجع فيها المسار الحزبي، وغابت الحكومات البرلمانية، وتقدمت الحسابات السياسية الضيقة على البناء الديمقراطي طويل الأمد. وهكذا ضاعت الفرصة الأولى.
ثم عادت الفرصة عام 1989. جاءت الانتخابات النيابية في سياق حراك شعبي واسع وأزمة اقتصادية خانقة، فشكّلت لحظة استعادة للحياة البرلمانية بعد سنوات من الجمود. أُعيد الاعتبار للمجلس، وعادت التعددية الحزبية، وبدأت مرحلة انفراج سياسي أعادت الأمل بإمكانية بناء عقد سياسي أكثر توازنًا.
لكن هذه الفرصة أيضًا لم تُستثمر كما ينبغي. فقد جاءت قوانين انتخاب لاحقة، أبرزها قانون الصوت الواحد، لتعيد تشكيل المشهد السياسي على نحو أضعف الحياة الحزبية ورسّخ الطابع الفردي والجهوي للتمثيل النيابي. تراجع العمل البرامجي، وتقدّم منطق الأشخاص والعلاقات الضيقة على منطق الأحزاب الوطنية الجامعة. فضاعت الفرصة الثانية، ودخلنا في مسار طويل من التردد بدل التراكم.
واليوم، ونحن نتحدث عن تحديث المنظومة السياسية وتمكين الأحزاب، نجد أنفسنا أمام مشهد يعكس استمرار الخلل ذاته. فحادثة فصل النائب محمد الجراح من حزب العمال، وما تبعها من فقدانه عضويته في البرلمان، ثم الصراع الذي دار حول من سيخلفه في المقعد، تكشف بوضوح أن السؤال لم يعد عن البرنامج أو الرؤية أو قوة الحزب، بل عن من يجلس على الكرسي.
تحول النقاش من تعزيز العمل الحزبي إلى سباق على شغل المقعد، وكأن المقعد قيمة قائمة بذاتها، منفصلة عن المشروع السياسي الذي يفترض أن يمثله. في 1956 تنازل نائب فاز بأعلى الأصوات احترامًا لقيادة حزبه، حفاظًا على وحدة المؤسسة. واليوم، يدور الصراع أحيانًا داخل الحزب نفسه حول وراثة المقعد، لا حول تطوير حضوره أو توسيع قاعدته أو ترسيخ برنامجه.
تعليق