شكراً لصديقي العزيز سمايلي سايلنت (Smily Silent)، الذي أحبه كحبي لإخوتي، وهو مبتدع نظرية البيطرة الاقتصادية (Theory of Economic Quackery )، التي حصدت جوائز علمية (أكاديمية) رفيعة. فقال لي ذات يوم: لا يُدار الاقتصاد، في أوستنشيا، بعقلٍ مؤسسي ولا برؤيةٍ إنتاجية، بل بما يمكن تسميته صراحةً "البيطرة الاقتصادية". فهناك، يتصدّر المشهد من لا خبرة له، ولا معرفة، ولا اطلاع على أبجديات
المعرفة الاقتصادية. ويُفتي في الشأن الاقتصادي من لم يقرأ موازنة، ولم يُحلل مؤشراً، ولم يفهم معنى دورة اقتصادية أو إنتاجية حدّية. فتتزاحم الأصوات العالية، ويتوارى أهل الاختصاص، فيغدو القرار الاقتصادي رهينة الجهل والغرور والتكلف.
فتكون النتيجة اقتصاد مُنهك، يترنح تحت ضربات فكرية مرتجلة، حيث البطالة ترتفع حتى صارت رقماً يومياً في نشرات الأخبار، والجوع يتسلل إلى بيوتٍ كانت بالأمس مكتفية. والجامعات في أوستنشيا تُخرج آلافاً من حملة الشهادات كل عام، لكن السوق لا يملك القدرة، ولا الخطة، لاستيعابهم، ولا يلمس الناس سوى شهادات معلّقة على الجدران، وطوابير تنتظر على أبواب الوظائف، وفجوةٌ تتسع بين التعليم وسوق العمل، ولا أحد يسأل أين الخلل البنيوي؟
وبدلاً من معالجة جذور المشكلة، الكامنة في الإنتاج الضعيف، والاستثمار الخامل، والبيئة الطاردة للأعمال، تنشغل البيطرة الاقتصادية بقضايا شكلية. وبينما تتفاقم ظواهر المخدرات والتدخين، ويتعمق الفقر في أطراف المدينة، ويزداد الضغط على الخدمات العامة، يُطرح مشروع طموح: زيادة عدد أيام العطل الأسبوعية إلى ثلاثة. وكأن الأزمة أزمة فراغ، لا أزمة إنتاج.
وفي وقت ترتفع فيه الأسعار بوتيرة تفوق الزيادة في الدخل، وتتناقص القدرة الشرائية، وتتهالك البنية التحتية من طرقٍ مكسّرة وشبكاتٍ مهترئة، يُطلب من الاقتصاد أن يعمل أقل ليزدهر أكثر. منطقٌ معكوس؛ كأن السفينة تغرق، فيقرر القبطان تقليل عدد المجاديف بحجة الراحة. الإنتاجية تنخفض، والقطاع الخاص يئن، والاستثمار يتردد، بينما الخطاب الرسمي يتحدث عن تحسين جودة الحياة.
لكن جودة الحياة لا تُصنع بالشعارات، بل بالعمل المنتج، وبسياسات مبنية على بيانات، وبقرارات تُخضع للمساءلة. فالاقتصاد ليس ساحة استعراض، ولا منصة خطابة. هو علمٌ يتطلب فهماً عميقاً للموارد، للحوافز، لسوق العمل، وللصلة العضوية بين التعليم والتشغيل. وحين يُختزل في آراء مرتجلة، يتحول إلى ضحية.
تعليق