تطورت أساليب الحرب في العصر الحالي، لتتجاوز المواجهة المباشرة بين الجيوش التقليدية في ساحة المعركة. وأصبحت الجيوش الحديثة، تعتمد بشكل أكبر على التكنولوجيا، مقرونة بالعقل والضغوط النفسية على العدو. وتشمل تلك الحرب أنواعا متعددة من الحروب الفرعية، هي : الحرب الهجينة، الحرب السيبرانية، الحرب المعلوماتية والنفسية، الحرب بالوكالة، حرب الجيل الخامس، والحرب الاقتصادية.
وقد سبق لي أن كتبت خلال الشهرين الماضيين، مقالين، حول هذا الموضوع الهام، احدهما بعنوان "الجيوش التقليدية إلى أين؟"، والثاني بعنوان "مفهوم الحرب الهجينة". واليوم سأركّز في هذا المقال، على دور القوات الخاصة في الحرب الهجينة، باعتبارها النمط السائد في الحروب الحديثة، وإكمال ما سبقه من مواضيع، متعلقة بهذا المساق.
لقد عرّف المحلل الاستراتيجي الأمريكي العقيد فرانك هوفمان الحرب الهجينة ( Hybrid Warfare) بأنها الاستخدام المتزامن والمتقن، لمزيج من الأسلحة التقليدية، والتكتيكات غير النظامية، والإرهاب، والتصرف الإجرامي، في ساحة المعركة، من أجل تحقيق أهداف محددة ". أما حلف الناتو فقد عرفها : " بأنها الاستخدام المتكامل لأنواع مختلفة من الإجراءات العسكرية، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الشاملة ".
يرى هوفمان، أن الحرب الهجينة هي في الأساس، شكلا من أشكال الحروب غير المتكافئة، حيث يسعى المقاتل إلى تجنب نقاط القوة لدى الخصم الأشد بأسا. كما أن الدول الكبرى تلجأ لهذه الحرب، لاسيما وأنها إمكانيات واسعة تمكنها من تطبيقها بكفاءة.
وأوضح مثال على ذلك، ما جرى ويجري حاليا بين روسيا وأوكرانيا، ابتداءً من ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عام 2014، وما يجري في الحرب بين البلدين ابتداءً من عام 2022 وحتى الآن. وكذلك ما مارسته وتمارسه إسرائيل في حربها على غزة، منذ عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وما تبعها من حروب واغتيالات وتدمير للبنى التحتية والمنشآت الهامة في لبنان وإيران.
وفي ظل تطور الحرب الحديثة، فإن الدول المتقدمة في العالم، تتجه لإعادة تعريف دور القوات الخاصة، من عمليات مكافحة الإرهاب ومواجهة التمرد، إلى مجالات أوسع نطاقا في ساحات المعارك الميدانية. وأصبحت القوات الخاصة تلعب دورا أكثر تعقيدا من ذي قبل.
ولكن التكنولوجيا الحديثة غيرت قواعد اللعبة السابقة، فالطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية جعلت ساحة المعركة أكثر انكشافا، مما يفرض على تلك القوات تعزيز قدرتها في حماية نفسها، واعتماد أسلوب " الفقاعات الصامتة "، لتجنب كشفها من قبل العدو خلال عملها.
"والفقاعات الصامتة " تعني قطع أي انبعاث كهرو مغناطيسي أو إلكتروني مثل : إشارات الراديو، الاتصالات، والأجهزة الذكية، التي قد تكشف موقع القوة الخاصة، أثناء تنفيذ مهمتها السرّية. ولهذا سيشهد المستقبل مزيدا من اندماج القوات الخاصة في الحروب الهجينة، وتصيح العمليات السيبرانية والحرب الإلكترونية مكملة للعمليات التقليدية.
لكن التحدي الذي تواجهه القوات الخاصة في هذه الحالة، هو العمل في بيئات معادية، دون دعم جوي سريع، مما يتطلب إبداعا تكتيكيا غير مسبوق خلال عملها.
وهكذا أصبحت القوات الخاصة، جزءا أساسيا وهاما من الحرب الحديثة، تشمل أدوارها التعرضية : العمل خلف خطوط العدو، جمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة، ضرب أهداف مهمة، تخريب منشآت عسكرية أو لوجستية، القبض على قيادات خطيرة، دعم مجموعات حليفة، تدريب وتسليح قوات صديقة، إدارة حرب بالوكالة، مكافحة الإرهاب، تحرير الرهائن، تحديد مواقع أهداف الطيران أو الصواريخ البعيدة المدى، الطائرات المسيرة، الحرب السيبرانية والمعلوماتية، جمع معلومات الكترونية بالتنسيق مع وحدات تقنية، التأثير في أنظمة العدو أو تعطيلها.
وفي هذه البيئة المتغيرة، فإن سلاحها الأقوى، هو السرية والذكاء في التحرك. اما في الدور الدفاعي، فعليها مواجهة الحرب الهجينة التي يشنها العدو، باستخدام أساليب هجينة مبتكرة، كي تُبطل أو تحدّ من تأثيرها على القوات الرئيسية.
تعليق